محتويات المقال (7)
منازعات تصفية التركات في النظام السعودي: أبرز صورها وسبل الحد منها
بقلم: أ. د. عبد الرحمن بن نافع السلمي المشرف العلمي على مجموعة النافع للمحاماة والاستشارات القانونية
تُعد منازعات تصفية التركات من المسائل القانونية المهمة؛ لتعدد الحقوق والمصالح المرتبطة بها، وما قد ينشأ عنها من خلافات تؤخر وصول الحقوق إلى مستحقيها. ومن هنا تبرز أهمية التعرف على المقصود بهذه المنازعات وأبرز صورها، والوعي بأسباب نشوئها وسبل الحد منها؛ بما يسهم في تيسير إجراءات تصفية التركات وحفظ حقوق جميع الأطراف.
أولًا: المقصود بمنازعات تصفية التركات
يقصد بمنازعات تصفية التركات الخلافات التي تنشأ بشأن تحديد أموال المتوفى وحقوقه والتزاماته، أو إثبات الحقوق المتعلقة بتركته واستيفائها والوفاء بها، تمهيدًا لقسمة ما يتبقى منها بين الورثة.
ولا تقتصر هذه المنازعات على الخلاف بشأن أنصبة الميراث، بل تمتد إلى الديون والوصايا والهبات والأوقاف، والحقوق المستحقة للمتوفى لدى الغير، والتصرفات المتعلقة بأموال التركة.
وقد نظم المنظم السعودي في المادتين (197) و(198) من نظام الأحوال الشخصية الأحكام المتعلقة بالتركة وترتيب الحقوق المتعلقة بها، بما يقتضي مراعاة تلك الحقوق قبل توزيع ما يتبقى منها على الورثة.
ثانيًا: أبرز منازعات تصفية التركات
تتنوع منازعات تصفية التركات بحسب طبيعة الحقوق محل الخلاف، ويمكن بيان أبرز صورها فيما يأتي:
1. المنازعات المتعلقة بالحقوق التي على التركة
وهي المنازعات المتعلقة بالحقوق والالتزامات المطالب بالوفاء بها من أموال المتوفى، ومن أمثلتها:
- منازعات إثبات الديون: كالخلاف بشأن وجود دين في ذمة المتوفى، أو مقداره، أو صحة المستندات المقدمة لإثباته.
- منازعات الديون المؤجلة: كالخلاف حول أثر وفاة المدين في موعد استحقاق الديون التي لم يحل أجلها.
- منازعات ظهور الديون بعد التصفية: كظهور دائن يطالب بحقه بعد توزيع أموال التركة على الورثة.
- منازعات الأوقاف: كالخلاف بشأن صحة الوقف أو تحديد ناظره، أو ما إذا كان مال معين داخلًا في التركة أم خارجًا عنها بسبب الوقف.
- منازعات الوصايا: كالخلاف بشأن صحة الوصية أو مقدارها أو تحديد المستفيد منها أو كيفية تنفيذها.
- منازعات الهبات: كالخلاف بشأن صحة هبة أجراها المتوفى في حياته، أو اكتمالها، أو دخول المال الموهوب ضمن التركة.
وتخضع المطالبات بالحقوق لقواعد الإثبات المقررة نظامًا، ومن ذلك الأحكام الواردة في المادتين (2) و(3) من نظام الإثبات بشأن عبء الإثبات وإقامة البينة على الحق المدعى به.
2. المنازعات المتعلقة بالحقوق التي للتركة
وهي المنازعات المتعلقة بالأموال والحقوق المستحقة للمتوفى، أو بالمحافظة على أموال التركة وإدارتها، ومن أمثلتها:
- منازعات المطالبة بحقوق المتوفى لدى الغير: كوجود ديون أو مبالغ مالية مستحقة للمتوفى لم يتم تحصيلها قبل وفاته.
- منازعات ملكية أموال التركة: كادعاء أحد الورثة أو الغير ملكية عقار أو مال يطالب بقية الورثة بإدخاله ضمن التركة.
- منازعات تصرفات الورثة: كقيام أحد الورثة ببيع مال مشترك أو تأجيره أو التصرف فيه دون مراعاة حقوق بقية الورثة.
- منازعات إدارة أموال التركة والانتفاع بها: كالخلاف بشأن إدارة عقار موروث أو تحصيل إيراداته أو المطالبة بمقابل الانتفاع به.
- منازعات تعطيل إجراءات التصفية: كالامتناع عن التعاون في حصر أموال التركة أو تقديم المستندات اللازمة لتصفيتها.
وتتصل هذه المنازعات بأحكام الملكية الشائعة وإدارتها في نظام المعاملات المدنية، ومن ذلك المادتان (620) و(621)، بحسب طبيعة النزاع والحق محل المطالبة.
3. المنازعات المتعلقة بقسمة التركة والتخارج
قد تنشأ بين الورثة خلافات بشأن إنهاء الشيوع في أموال التركة أو توزيعها، ومن أبرز أمثلتها:
- منازعات القسمة: كالخلاف بشأن تقييم أموال التركة، أو إمكان قسمتها عينًا، أو بيعها بالمزاد. وقد نظم المنظم السعودي أحكام قسمة المال الشائع في المواد (626–633) من نظام المعاملات المدنية، بما يشمل القسمة الاتفاقية والقضائية، وضوابط بيع المال بالمزاد، وإمكانية توقّي الشركاء بيع المال كاملًا بالمزاد وفقًا للمادة (628)، فضلًا عن الأحكام المتعلقة بحماية حقوق الشركاء والدائنين وآثار القسمة.
- منازعات التخارج: كالخلاف بشأن اتفاق أحد الورثة على ترك نصيبه أو بعضه مقابل عوض، أو مقدار العوض المتفق عليه، أو الآثار المترتبة على الاتفاق. وقد نظم نظام الأحوال الشخصية التخارج في المواد (243–245).
ثالثًا: الوسائل الودية والتحكيم في منازعات التركات
قد يسهم الصلح والتخارج في تسوية الخلافات المتعلقة بالتركة وتقليل أمد الخصومة، متى توافرت شروطهما الشرعية والنظامية، مع المحافظة على حقوق جميع الأطراف.
أما التحكيم، فقد يكون وسيلة للفصل في بعض المنازعات المالية المرتبطة بالتركة، متى كانت من المسائل التي يجوز الصلح فيها وتوافرت شروط التحكيم النظامية. أما المنازعات المتعلقة بالأحوال الشخصية، ومنها المسائل المتصلة بثبوت الإرث وتحديد الورثة وأنصبتهم، فلا تخضع للتحكيم؛ وفقًا للمادة (2) من نظام التحكيم.
خاتمة
إن الوعي بمنازعات تصفية التركات وأسبابها يسهم في حفظ الحقوق والحد من الخلافات بين الورثة وأصحاب الحقوق. ويمكن تفادي كثير من هذه المنازعات أو التقليل منها من خلال توثيق الديون والتصرفات والوصايا، وحصر أموال التركة والتزاماتها بدقة، والتحقق من الحقوق قبل القسمة، والاستعانة بالمختصين واللجوء إلى الحلول الودية متى أمكن؛ بما يحقق سرعة التصفية ويحافظ على الروابط الأسرية.
ومن المراجع المهمة في هذا الموضوع كتاب «منازعات تصفية التركات وتطبيقاتها في محاكم المملكة العربية السعودية»، للدكتور البراء بن عبدالعزيز بن محمد الوهيد، وأصله رسالة دكتوراه أُعدّت ضمن مسار الدراسات القضائية بجامعة الملك عبدالعزيز عام 1442هـ/2021م. وقد سعدت بالإرشاد على خطتها البحثية والمشاركة في لجنة مناقشتها. وصدر الكتاب عن دار الميمان للنشر والتوزيع بالرياض عام 1445هـ.
(لينكدان) https://lnkd.in/p/dUf_7N48
كاتب المقال
أ.د. عبد الرحمن بن نافع السُّلمي
المشرف العلمي على مجموعة النافع للمحاماة والاستشارات القانونية
