محتويات المقال (8)
بقلم: أ. د. عبد الرحمن بن نافع السلمي المشرف العلمي على مجموعة النافع للمحاماة والاستشارات القانونية
يمثل التوثيق ركيزة مهمة في حفظ الحقوق واستقرار المعاملات؛ إذ تتجاوز وظيفته مجرد إثبات التصرفات إلى تعزيز الثقة في المعاملات، وضبط العلاقات القانونية، وتوفير محررات يمكن الاحتجاج بها وترتيب الآثار النظامية عليها. وقد اعتنت الشريعة الإسلامية بحفظ الحقوق، وحثّت على إثباتها وتوثيقها بوسائل متعددة، كالكتابة والشهادة والرهن. ونظّمت الأنظمة السعودية ولوائحها التنفيذية أعمال التوثيق بما يسهم في تحقيق العدالة وتيسير شؤون الناس وقضاء حاجاتهم.
ويشير فضيلة الدكتور مهند بن حمد بن منصور الشعيبي في كتابه «التوثيق في الأنظمة العدلية السعودية» إلى أن نصوص التوثيق لم تنل حظها الكافي من الدراسات الأكاديمية، على الرغم من أهمية هذا الموضوع وحاجته إلى التأصيل العلمي ودراسة مسائله وأحكامه.
والكتاب في أصله رسالة دكتوراه في تخصص الدراسات القضائية بجامعة الملك عبد العزيز، بعنوان «التوثيق في الأنظمة العدلية السعودية: دراسة مقارنة تطبيقية في ضوء الفقه الإسلامي». ولي بهذه الدراسة صلة منذ بداياتها؛ إذ كنت قد اقترحت موضوع الرسالة على الباحث، وأسهمت في إرشاده عند إعداد خطتها. ومن دواعي سروري أن أرى ذلك المشروع العلمي، بعد اكتماله، يخرج في صورة كتاب يسهم في إثراء المكتبة العدلية والقضائية.
وقد اعتُمد الكتاب ضمن مراجع مقرر التوثيق القضائي في مرحلة الماجستير بمسار الدراسات القضائية بجامعة الملك عبد العزيز.
وتنبع أهمية دراسة التوثيق من اتساع نطاقه، وتعدد صوره، وارتباطه الوثيق بالعمل العدلي والقضائي؛ فأحكامه تتصل بإنشاء المحررات، وإثبات الحقوق، وحجية المحررات وتنفيذها، كما ترتبط بعدد من الأنظمة واللوائح التي تنظم مجالات قضائية وعقارية وتجارية وجزائية مختلفة.
التوثيق بين التأصيل الفقهي والتنظيم النظامي
تناول الدكتور الشعيبي موضوع التوثيق بدءًا بتأصيل مفهومه، وبيان المصطلحات ذات الصلة به وأهميته، ثم بحث مشروعيته ونشأته وتطوره في الفقه الإسلامي، ونشأته وتطوره وأنواعه في الأنظمة العدلية السعودية، وعلاقته بالقضاء، والفرق بين الموثق والقاضي وكاتب العدل.
ويكشف هذا البناء عن الطبيعة المركبة للتوثيق؛ فهو يستند، من جهة، إلى أصول فقهية تتعلق بحفظ الحقوق وإثباتها، ومن جهة أخرى، إلى قواعد نظامية وإجرائية تحدد الجهات المختصة بالتوثيق، وشروط ممارسة أعماله، وطبيعة المحررات الناشئة عنه وآثارها.
وتتضح هذه الطبيعة بصورة أكبر في دراسة الأحكام الموضوعية والإجرائية للتوثيق؛ فقد تناول الكتاب شروط الموثق وصفاته في الفقه الإسلامي، وشروط الترخيص له في النظام السعودي، والاختصاصات التي تُعهد إليه، وآدابه، وحكم أخذ المال مقابل التوثيق. كما تناول أنواع المحررات الصادرة عن التوثيق، والشكليات المتعلقة بها، وحجيتها، وشروط اعتبارها سندات تنفيذية، وطرق الطعن فيها، ومسؤوليات الموثق المدنية والتأديبية والجزائية.
التوثيق وعلاقته بالمنظومة العدلية
من أبرز ما يكشف عن أهمية التوثيق في البيئة النظامية السعودية تعدد الأنظمة واللوائح التي تتصل به. وقد تناول الكتاب صلة التوثيق بكل من: نظام التنفيذ، ونظام المرافعات الشرعية، ونظام القضاء، ولائحة الموثقين وأعمالهم، واللائحة التنفيذية لاختصاص كتاب العدل، ولائحة الوثائق القضائية، ولائحة مأذوني الأنكحة، والنظام الجزائي لجرائم التزوير، ونظام الرهن العقاري المسجل، والنظام البحري التجاري، ونظام الشركات.
وتكشف هذه الصلات عن امتداد وظيفة التوثيق إلى مجالات متعددة؛ فهي ترتبط بالقضاء والتنفيذ والمرافعات، كما تتصل بالأعمال التي يباشرها الموثقون وكتاب العدل ومأذونو الأنكحة، وتمتد إلى حماية المحررات من التزوير، وإلى المعاملات العقارية والتجارية.
ومن هنا يمكن النظر إلى التوثيق باعتباره حلقة وصل بين إنشاء التصرف القانوني وإثباته وترتيب آثاره؛ ولذلك تكتسب سلامة الإجراءات التوثيقية ودقة المحررات أهمية مباشرة في حماية الحقوق وتقليل مواطن الخلاف حولها.
حجية المحررات ومسؤولية الموثق
من المسائل المهمة في مجال التوثيق تحديد القيمة النظامية للمحرر الناتج عنه؛ ولهذا بحثت الدراسة أنواع المحررات وشكلياتها وحجيتها، وشروط اعتبارها سندات تنفيذية، وطرق الطعن فيها، إلى جانب مسؤوليات الموثق بأبعادها المدنية والتأديبية والجزائية.
ويوضح هذا الجانب ارتباط التوثيق بالثقة في المحرر وسلامة الإجراءات التي أدت إلى إنشائه. وكلما ازدادت الآثار النظامية المترتبة على الوثيقة، ازدادت أهمية إحاطة عملية التوثيق بالضمانات المهنية والإجرائية المناسبة.
كما أن تناول النظام الجزائي لجرائم التزوير ضمن الأنظمة ذات الصلة بالتوثيق يبرز جانب الحماية الجزائية للمحررات، في حين يُظهر تناول نظام التنفيذ أهمية المحرر من زاوية آثاره التنفيذية. وقد أفرد الكتاب لكل من هذين النظامين مبحثًا لدراسة صلته بالمحررات الصادرة عن التوثيق.
البعد التطبيقي للتوثيق
تظهر قيمة التوثيق بصورة أوضح عند وصل دراسته النظرية بتطبيقاته العملية. ومن الجوانب المهمة في الكتاب تخصيص فصل للتطبيقات القضائية للمحررات الصادرة عن التوثيق، شمل توثيق عقود الوكالات العامة (متعددة الصلاحيات)، وعقود الوكالات الخاصة، والإفراغ العقاري، والرهن العقاري، والتوثيق لدى إحدى قنصليات المملكة بالخارج، وتوثيق الإقرارات المالية، وعقود الشركات، وعقود النكاح، وإقرارات الكفالات، والتوثيق الإلكتروني.
ويكشف هذا التنوع عن الحضور الواسع للتوثيق في الحياة العملية؛ فهو حاضر في التصرفات العقارية، والعلاقات المالية، والأعمال التجارية والشركات، والأحوال الشخصية، والوكالات، فضلًا عن المعاملات التي تتم خارج المملكة، وأعمال التوثيق التي تُنجز بالوسائل الإلكترونية.
التوثيق الإلكتروني وتطور وسائل التوثيق
يمثل التوثيق الإلكتروني أحد مظاهر التطور في هذا المجال، وقد تناوله الكتاب ضمن تطبيقاته العملية، كما أشارت نتائج الدراسة إلى تطوره وأثر المحررات الإلكترونية في أعمال التوثيق.
وتتأكد أهمية هذا الجانب بالنظر إلى توصيات الدراسة؛ إذ دعت، ضمن توصياتها، إلى منح البرامج الإلكترونية للتوثيق صلاحيات كتابات العدل، وهو ما يعكس عنايتها بتوظيف التقنية في الخدمات التوثيقية وتطوير وسائل تقديمها.
تطوير منظومة التوثيق
تضمنت الدراسة عددًا من التوصيات لتطوير أعمال التوثيق؛ فقد أوصت بالتوسع في اختصاصات الموثقين ومهامهم، وجمع النصوص السعودية المتعلقة بالتوثيق واستكمالها وتحديثها وإعادة صياغتها، إلى جانب العناية بالتوثيق الإلكتروني، والتوسع في صلاحيات مأذوني الأنكحة، وضبط المقابل المالي لأعمال التوثيق.
وامتدت التوصيات إلى البعدين المهني والعلمي، من خلال الدعوة إلى إعداد ميثاق أخلاقي، وعقد المؤتمرات والندوات المتخصصة، وإنشاء تخصصات جامعية تُعنى بالتوثيق وإجراءاته، إضافة إلى إعداد كتاب يؤرخ للتوثيق في المملكة.
وتبرز هذه التوصيات تعدد جوانب تطوير التوثيق؛ إذ ينبغي أن يصاحب التحديثَ النظاميَّ تطويرٌ تقني، وتأهيلٌ علمي ومهني، وعنايةٌ بأخلاقيات الممارسة، وبناءٌ معرفي متخصص في هذا المجال.
الخاتمة
يتضح أن التوثيق في الأنظمة العدلية السعودية يمثل مجالًا يتقاطع فيه الفقه مع النظام، والإجراء مع الإثبات، والعمل القضائي مع الممارسة التوثيقية. كما أن تعدد الأنظمة واللوائح المرتبطة به، وتنوع تطبيقاته في الوكالات والعقارات والشركات والنكاح والتوثيق الإلكتروني، يؤكد اتساع أثره في العمل العدلي، وحفظ الحقوق، واستقرار المعاملات.
وتبرز قيمة كتاب «التوثيق في الأنظمة العدلية السعودية» في دراسته لهذا المجال من منظور يجمع بين التأصيل الفقهي والتحليل النظامي والجانب التطبيقي، وفي تتبعه للأحكام والنصوص ذات الصلة وربطها بالتطبيقات العملية، فضلًا عن النتائج والتوصيات التي انتهت إليها الدراسة بشأن تطوير أعمال التوثيق، وتأهيل القائمين عليها، وتعزيز حضور التقنية والتخصص العلمي فيها.
ومن ثم، فإن العناية العلمية بالتوثيق تمتد إلى دراسة الوثيقة والمنظومة التي تنتجها، والجهة التي توثقها، والحجية التي تكتسبها، والآثار التي تترتب عليها، والضمانات التي تحيط بها؛ وهي جوانب تجعل التوثيق ميدانًا جديرًا بمزيد من الدراسات القانونية والقضائية المتخصصة.
المرجع:
الشعيبي، مهند بن حمد بن منصور، «التوثيق في الأنظمة العدلية السعودية»، مركز الدراسات العربية للنشر والتوزيع، توزيع دار الكتاب الجامعي للنشر والتوزيع، 1445هـ/2024م.
كاتب المقال
أ.د. عبد الرحمن بن نافع السُّلمي
المشرف العلمي على مجموعة النافع للمحاماة والاستشارات القانونية
