Contents (7)
حوكمة الشركات العائلية: حماية دور المؤسس واستدامة الشركة والوقاية من المنازعات ومخالفات وجرائم نظام الشركات
بقلم: أ. د. عبد الرحمن بن نافع السلمي المشرف العلمي على مجموعة النافع للمحاماة والاستشارات القانونية
تتميز الشركات العائلية باجتماع ثلاث دوائر مترابطة: العائلة، والملكية، والإدارة. وهذا الترابط يمثل مصدر قوة بما يوفره من الثقة ووحدة الرؤية وسرعة اتخاذ القرار، لكنه قد يصبح مع توسع الأعمال وتعدد الملاك وتعاقب الأجيال مصدرًا للخلاف والمخاطر إذا لم تكن الحقوق والصلاحيات محددة بوضوح.
ما المقصود بحوكمة الشركات العائلية؟
الحوكمة هي منظومة تحدد كيفية إدارة الشركة واتخاذ القرارات والرقابة عليها، وتنظم توزيع الحقوق والصلاحيات والمسؤوليات بين الملاك ومجلس الإدارة والإدارة التنفيذية وأصحاب المصالح، بما يعزز الشفافية والمساءلة ويحمي الحقوق.
وفي الشركات العائلية تمتد الحوكمة إلى تنظيم العلاقة بين العائلة والملكية والإدارة، بما يشمل انتقال الملكية، وعمل أفراد العائلة، والتخارج، وتوزيع الأرباح، وتعارض المصالح، والتعاقب القيادي، وتسوية الخلافات.
وبذلك تحول الحوكمة التفاهمات الشخصية إلى قواعد واضحة ومستقرة، وتساعد على حماية الشركة واستمرارها عبر الأجيال.
الحوكمة تحمي دور المؤسس ولا تنتزعه
قد يخشى بعض المؤسسين أن تؤدي الحوكمة إلى تقليص سلطتهم أو إبعادهم عن الشركة التي بنوها، بينما الحوكمة المصممة بصورة سليمة يمكن أن تحافظ -في حدود الأحكام النظامية- على مكانة المؤسس ودوره الاستراتيجي والإشرافي طوال حياته.
ويتحقق ذلك بتنظيم موقعه وصلاحياته من خلال الأدوات القانونية المناسبة، وتحديد دوره في القرارات الجوهرية، والمحافظة على هوية الشركة وقيمها، ومشاركته في إعداد واعتماد خطط التعاقب القيادي، مع بناء إدارة مؤسسية تتولى الأعمال اليومية بكفاءة.
فالغاية ليست استبدال المؤسس، وإنما حماية دوره وتحويل رؤيته وخبرته إلى إرث مؤسسي يستمر عبر الأجيال.
الوقاية من منازعات الشركات العائلية
مع تعدد الملاك وانتقال الملكية بين الأجيال، قد تنشأ منازعات حول الإدارة والصلاحيات، وانتقال ملكية الحصص أو الأسهم، والتخارج وتقييم الملكية، وتوزيع الأرباح، وعمل أفراد العائلة، وحالات تعارض المصالح، والتعاملات مع الأطراف ذوي العلاقة، والتعاقب القيادي، والتصرف في الأصول الجوهرية.
وتؤدي الحوكمة هنا وظيفة وقائية؛ إذ تحدد الحقوق والاختصاصات مسبقًا، وتنظم آليات اتخاذ القرار، وتضع وسائل لمعالجة الخلافات وتسويتها قبل تحولها إلى خصومات قضائية قد تؤثر في الشركة والعائلة معًا.
دور الحوكمة في الوقاية من مخالفات وجرائم نظام الشركات
لا تقتصر أهمية الحوكمة على تنظيم العلاقات الداخلية والوقاية من المنازعات، بل تؤدي دورًا مهمًا في تعزيز الامتثال والحد من مخاطر الوقوع في مخالفات وجرائم نظام الشركات.
ويتحقق ذلك من خلال وضوح الصلاحيات والمسؤوليات، وتنظيم التفويض، وتعزيز الرقابة الداخلية، والإفصاح، وضبط حالات تعارض المصالح والتعاملات مع الأطراف ذوي العلاقة، ومراجعة القرارات والتصرفات الجوهرية، والتحقق من سلامة التقارير والبيانات والإجراءات، وتفعيل دور الإدارة القانونية والامتثال والمراجعة.
وتزداد أهمية هذه الضوابط في المسائل التي قد تترتب عليها مسؤولية نظامية، مثل إساءة استعمال أموال الشركة أو الصلاحيات، والمخالفات المتعلقة بالبيانات والتقارير والسجلات والمستندات، وتوزيع الأرباح، وتعارض المصالح، وغيرها من الأفعال التي قد يرتب عليها نظام الشركات مسؤولية أو عقوبة بحسب طبيعة الفعل وظروفه.
وبذلك تصبح الحوكمة خطَّ دفاعٍ وقائيٍّ يحمي الشركة والمؤسس وأعضاء مجلس الإدارة والمديرين، ويحد من احتمالات تحوّل ضعف الإجراءات أو الرقابة إلى مخالفات أو مسؤوليات نظامية.
كيف تُبنى حوكمة الشركة العائلية؟
تبدأ الحوكمة بتشخيص هيكل الملكية والإدارة والصلاحيات ومواطن المخاطر والنزاع، ثم تصميم الإطار الذي ينظم العلاقة بين العائلة والملاك ومجلس الإدارة والإدارة التنفيذية.
بعد ذلك يأتي التوثيق القانوني من خلال الميثاق العائلي، وما يلزم من اتفاقيات الشركاء أو المساهمين، والوثائق التأسيسية، واللوائح والسياسات ومصفوفات الصلاحيات، وفقًا لطبيعة الشركة والأحكام النظامية، ثم التطبيق والمتابعة للتأكد من فاعلية المنظومة وتطورها مع نمو الشركة.
الحوكمة مجال للبحث العلمي والتطبيق العملي
ومن الأبحاث العلمية في هذا المجال التي سعدت بالإشراف عليها أطروحة دكتوراه بعنوان: «حوكمة الشركات العائلية وأثرها على المنازعات القضائية»، أعدها الباحث الدكتور محمد بن عبدالله بن عثمان آل عبدالعزيز الغامدي، القاضي بدوائر الاستئناف بالمحكمة التجارية بوزارة العدل، وحصل بها على درجة الدكتوراه في الدراسات القضائية من جامعة الملك عبدالعزيز عام 1446هـ / 2024م.
وقد تناولت الأطروحة موضوعًا بالغ الأهمية للشركات العائلية، من خلال دراسة حوكمتها وأثرها في المنازعات القضائية، وبيان دور الحوكمة في تعزيز استقرار الشركات العائلية واستدامتها والحد من منازعاتها، وصولًا إلى عدد من النتائج والتوصيات ذات القيمة العلمية والعملية.
الحوكمة حماية واستدامة
الحوكمة الفاعلة ليست قيودًا على المؤسس أو الشركة، بل وسيلة لحماية ما تم بناؤه والاستعداد للمستقبل؛ فهي تعزز جودة القرار والشفافية والامتثال، وتحمي حقوق الملاك، وتحد من المنازعات والمخاطر النظامية، وتنظم انتقال الملكية والقيادة.
وبالنسبة للمؤسس، تمنحه الحوكمة فرصة أن يبني مستقبل شركته وهو حاضر، ويحافظ على مكانته ورؤيته، ويحمي الكيان الذي أسسه من مخاطر النزاع والمخالفة، ويهيئ الأجيال القادمة لمواصلة المسيرة؛ ليتحول نجاح المؤسس إلى إرث مؤسسي قادر على الاستمرار والنمو عبر الأجيال.
(لينكدان ) https://lnkd.in/p/d6d9RFY4
Author
Prof. Dr. Abdulrahman bin Nafa Alsulami
Academic Supervisor, Al Nafa for Law and Legal Consultation
